السبت، نوفمبر 14، 2009



مصر والجزائر.. معركة فاصلة في تاريخ الأمة!
سليم عزوز
14/11/2009
اليوم هو موعد نشوب الحرب العالمية الثالثة، فمصر والجزائر ستلعبان وسط حالة من الشحن الإعلامي، الذي يجعل المرء يظن أنها المعركة الفاصلة في تاريخ الأمة، والأمم المجاورة.
ليست لي اهتمامات كروية، ومنذ الصغر، وقد جربت في طفولتي ان أشجع فريق نادي ' الزمالك'، انحيازاُ مني للأقليات، والمصريون إما اهلوية أو زملكاوية، ولكني توقفت بعد أن أيقنت بأنه من أراد ان يعيش بالهم ويموت بالحسرة، فعليه ان يستمع الى فريد الأطرش، ويشجع نادي الزمالك، ويشاهد التلفزيون المصري.
لم يحدث ان شاهدت مباراة كاملة لكرة القدم، حتى في الفترة القصيرة التي قضيتها مشجعا لنادي الأقليات، لكني الليلة سأفعل، وسأرابط أمام التلفزيون، ومن باب الوطنية سأتمنى أن نفوز على الجزائر، وان كنت أضع يدي على قلبي مخافة ان يحتفي تلفزيون البلاد المفدى بهذا النصر، باعتباره من إنجازات الرئيس مبارك، ليعد هذا هو الإنجاز الثاني له بعد الضربة الجوية.
الإعلام الرسمي يفعلها في كل مرة تلعب فيها مصر مباراة في كرة القدم وتنتصر، ولا ادري لماذا لا تلصق به الهزائم أيضا؟!
الشحن الإعلامي، جعلنا نظن ان من لم يشجع الفريق المصري، سوف يتم إلقاء القبض عليه بتهمة الخيانة العظمى والتخابر مع الأعداء، ولم يكن الشحن الإعلامي في الشقيقة الجزائر بأقل من الشحن في مصر.. عندما تهزم الأمم في كل معاركها الجادة، فانها تلتمس النصر في اللعب، وتتعامل على ان النصر في (الاستاد) يغني عن النصر في ميادين القتال.
وقد تأثرت بعملية الشحن هذه، والليلة سأجلس أمام التلفزيون وأشاهد المباراة لنهايتها بإذن واحد أحد، لتكون هذه هي المرة الأولى التي افعلها في حياتي.
عندما كنت زملكاويا، حاولت ان أشاهد مباراة لنهايتها وفشلت.. كنت اجلس أمام جهاز التلفزيون التاريخي وانا في حالة دهشة طفولية بريئة، ليس لعبقرية (اللاعبين)، ولكن لقدرة من هم بجواري على ان يميزوا بين اللاعبين، ويعرفون ان هذا هو الخطيب، وذاك شطة، وهذا هو حسن شحاته، مع ان الوحيد الذي كنت أميزه هو إكرامي، ونظيره في الفريق الآخر، لانهما يقفان في مكان محدد هو (المرمى)، كنت أميز أيضا صوت المعلق الكبير كابتن لطيف الذي كان يترك المباراة ويحكي قصة حياته، وينشغل بتقديم الشكر لرجال الأمن.
بطبيعة الحال كنت اعرف بالإضافة الى ذلك ان هذا اللاعب أهلاوي وذاك زملكاوي، من لون (الفانلة).. فانلة الزمالك بيضاء، والأهلي حمراء.. تبدو غامقة لان التلفزيون كان وقتها (ابيض واسود) ولم نكن قد انتقلنا الى مرحلة (الألوان)، ولا يزال هذا الجهاز في الحفظ والصون حتى الآن، في انتظار ان يطلبوه ليشاهده السائحون الزائرون للمتحف المصري، وقتها سأشترط إخلاء المتحف من تمثال رمسيس الثاني، فتلفزيوننا لا (ينكشف) على رجال.
مذيعات الربط
وعلى ذكر خالد الذكر جهاز التلفزيون المذكور، فقد ارتبطنا وقتها بعدد من مذيعات الربط في هذه المرحلة.. سهير شلبي.. وفريدة الزمر.. وسلمى الشماع.. كانت تطل الواحدة منهن فتشير الى عدد الفقرات التي سنشاهدها، وبعد كل فقرة تظهر لتعلن الفقرة الجديدة.. وظلت هذه المهنة موجودة في التلفزيون المصري الى ان تم إلغاؤها قبل سنوات في إطار ' سياسة كيد النساء'. اذ كانت هناك مذيعة ربط اختلفت مع رئيسة التلفزيون، قبل ردح من الزمن، والتي منعتها من العمل، وكان ان طعنت المذيعة في قرار المنع وحصلت على حكم قضائي يقضي بعودتها الى عملها، ورفضت رئيسة التلفزيون التنفيذ، وكأن أحكام القضاء تصدر للاسترشاد، وكتبت منددا بهذه السياسة، وبعد لف ودوران قالت أنها ستشكل لجنة لإعادة تقييم المذيعات وأنها تطلب مني ان أكون عضوا فيها، وراقت لي الفكرة في البداية، وفكرت ان أقوم بإسقاط عموم المذيعات وأتفرج بعد ذلك على التلفزيون وهو يعاني من الفراغ الدستوري!
وبعد تفكير وقفت على ان مهمة اللجنة هي الاستغناء عن خدمات هذه المذيعة فقط، وهي والشهادة لله لا تصلح للعمل التلفزيوني، فإذا جاملتها ووافقت عليها، فان الغالبية في اللجنة سترفضها، وإذا قلت ان كل المذيعات لا يصلحن، قالت الغالبية بصلاحيتهن، ويصبح علي بعد ذلك ان ارضخ لقرار الأغلبية، والا فانا ديكتاتور!.
ذات يوم اتصلت بي سالفة الذكر هاتفيا، ما رأيك في قرار أود اتخاذه وهو ألا يزيد سن مذيعة الربط على أربعين عاما. ولعب الفأر في صدري، على الرغم من ان المذيعة صاحبة المشكلة كانت تتعامل على أنها (صغيرة على الحب)، وعلى الفور سألت زميلا عن العمر الحقيقي للمذيعة المضطهدة، بحكم كونه مهتما بتواريخ ميلاد الفنانات والمذيعات، أكثر من اهتمامه بتواريخ ميلاد أبنائه.. واكتشفت انها فوق الأربعين!.
وكتبت منددا بفقه (كيد النساء).. وبعد ذلك بسنوات تم إلغاء وظيفة مذيعة الربط كلية، ونقل هذه المذيعة الى وظيفة مقدمة برامج ليذاع برنامجها فجرا والناس نيام.
الابتسامة العذبة
وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فقد كانت مذيعات الربط زمان يكفي ظهور الواحدة منهن علي الشاشة لتشعر بالأمان الأسري، لاسيما فريدة الزمر التي لم تكن تطل عبر الشاشة الا بابتسامتها العذبة، التي عُرفت بها، وبمجرد ظهورها كان المشاهد ينظر الى (بهيمة الأنعام) التي بجواره بامتعاض.. لا تقل لي ابتسامة جمانة نمور، ولا هدوء لونة الشبل، ولا رقبة إيمان عياد، ولا سيلكون نانسي عجرم.
حسب نظرية (التطور الطبيعي للحاجة الساقعة)، وهي العبارة التي تروج احدى شركات المشروبات بها لمنتجاتها، فانه اذا كان الصحافي في عالمنا العربي ينتقل بحكم الأقدمية الي كاتب عمود، او كاتب مقال، حتى وان كان لا يجيد القراءة والكتابة، فان مذيعة الربط تنتقل بحكم التطور لتكون مقدمة برامج، ثم مسؤولة إدارية، وهو ما جرى للمذكورات وغيرهن ممن لا تسعفني الذاكرة بتذكرهن، وشاهدنا فريدة الزمر بلا ابتسامة، وسهير شلبي وهي تحرص على ان تظهر في صورة الفتاة الصغيرة، الجذابة، وتتحدث من بين ضلوعها كلما تقدم بها العمر.. وقد خرجت مؤخرا على التقاعد، وهي في (حالة الشحتفة) هذه، وانتقلت سلمى الشماع لتتعامل على انها مستشرقة تتحدث العربية بصعوبة.
منذ أيام شاهدت سلمى على احدى الفضائيات تقدم برنامجا جديدا، وهي تستضيف صديقنا الدكتور مأمون فندي، الذي جاء الى القاهرة من لندن (شخصيا)، ليحضر مؤتمر الحزب الحاكم في مصر، وقال شعراً في جمال مبارك، حاولت ان أصدقه وفشلت. وأنا على يقين من ان البديل له ليس عمر سليمان، ولا عمرو موسى، ولا محمد البرادعي، ولكنه الرائد متقاعد صفوت الشريف، وإذا حدث هذا لا قدر الله ولا سمح فسوف يكون أول قرار له هو نفي العبد لله الى صحراء نجد.. أنا الوحيد في بر مصر الذي يقترب من رحابه الطاهرة، ولا فخر.
اختراق المقاطعة
ولهذا وكما قلت من قبل فأنا مع دورة جديدة للرئيس مبارك، بعدها يحلها الذي لا يغفل ولا ينام، لا أظن ان الرائد السابق يمكن ان يعيش سبع سنوات أخرى، في وقت يتساقط فيه أصدقاؤنا مع صغر سنهم. وفي الأسبوع الماضي ودعنا زميلتنا نوال علي وهي في الثلاثين من عمرها. نوال غادرت دنيانا وتركت في القلوب حزنا، وفي النفوس مرارة، وهي لمن لا يعرفها الصحافية التي تحرش بها بلطجية الحزب الحاكم أمام نقابة الصحافيين المصريين قبل ثلاث سنوات في وضح النهار.
وكان الحزب قد زج بهم للاعتداء على المتظاهرين على سلالم النقابة ضد التوريث والتمديد، وقد سجلت كاميرات الفضائيات ما جرى ونقلته للعالم كله، وكانت 'الحرة' على رأس هذه الفضائيات، وبمثل هذه التغطيات نجح مراسلها في القاهرة طارق الشامي ان يخترق جدار المقاطعة، كان كثيرون يقاطعون ' الحرة' في بدايتها، ويتعاملون مع من يظهر على شاشتها كما لو كان قد ظهر على شاشة التلفزيون الإسرائيلي.. لكن المقاطعة انتهت الآن، وكذلك ' الحرة'.. ولا أراكم الله مكروها في عزيز لديكم.
عندما شاهدت سلمى الشماع مع بلدياتنا مأمون فندي هتفت: ألم تمت هذه السيدة من قبل؟!.. كانت نجمة وأنا طفل، وها هي تطل بكفاءتها وأنا في مرحلة الشيخوخة المبكرة. الخبرة مفيدة ولا ريب، فقد ظهرت الشماع متمكنة، على الرغم من حرصها على التمسك بطبيعتها الاستشراقية. ربما بدت لي مذيعة قديرة من الهجمة التي تعرضت لها الشاشة الصغيرة في زمن السماوات المفتوحة من غير المحترفين، ربما استرخاصا وربما استظرافا، حتى رجل الأعمال نجيب ساويرس تحول الى مذيع.. يالها من مهنة جار عليها الزمان.
نظرت الى سلمى الشماع، وحاولت ان أتذكر لحظة إطلالتها عبر تلفزيوننا الذي لم أكن أميز اللاعبين من خلاله، وتتملكني دهشة بريئة على من يملكون القدرة على ذلك، لكني اليوم سأشاهد مباراة مصر والجزائر على شاشة تسمح لي برؤية اللاعبين بأحجامهم الطبيعية، بيد اني لست مهتما بأسمائهم ولو اهتممت فان هذا لن يغير في طبيعة الكون شيئا لأني لا اعرف احداً منهم، لكني على الأقل سأعرف ان هذا هو الفريق المصري، وهذا هو الفريق الجزائري، من ملابسهم.
في لندن
احد الأخوة الجزائريين كتب على احد المواقع انه كان يتمني ان يكون في لندن ويشاهدني لحظة المباراة انا وتوفيق رباحي، فانا وتوفيق نعمل في جريدة واحدة، وتجمعنا هذه الزاوية 'فضائيات وأرضيات'، وان كان هو جزائري وأنا مصري.
كثيرون يظنون انني اعيش في مدينة الضباب، ومنذ سنوات حللت ضيفا على احدى البلدان العربية، ولم أكد اصل الى مقر إقامتي حتى هب عموم المسؤولين لزيارتي والاطمئنان على صحتي الغالية.. الوحيد الذي لم يأت هو السيد رئيس الدولة، وخيل لي لهذا الاهتمام ان جنابه سيأتي بعد قليل ليكلفني بتشكيل الحكومة. وقد ظننت انه اهتمام لشخصي.. كم أنا مهم وان كنت لا ادري.. مشكلتي اني متواضع!.
ثم كان اللافت هو السؤال المتكرر عن (لندن)، ولم انتبه فقد تصورت ان (لندن) واحدة ست، فكأنهم كانوا يسألون عن (خالتي الست ام احمد)، وكنت ارد عقب كل سؤال: بخير تهديك السلام. ثم انتبهت فكان الرد انا لا أقيم في (لندن)، غاية ما في الأمر اني أرسل ما اكتبه لـ 'القدس العربي' عبر البريد الالكتروني، وبعد ان استقر في يقينهم انني لست من سكان (لندن) الكرام انفضوا من حولي وتركوني قائما، ولم يتذكرني احد ولو بـ (رنة) على هاتفي الجوال.
حسنا فلو جلست مع توفيق لمشاهدة المباراة، فسوف يشجع هو الفريق المصري، بينما سأشجع انا الفريق السعودي، على الرغم من انه لا يلعب.. فقديما قيل من جاور السعيد يسعد، حتى ولو ببرميل نفط.
صحافي من مصر
azouz1966@gmail.com
إرسال تعليق