الثلاثاء، يوليو 22، 2008


طلقة حبر
لا تساندوا الطغاة تحت أي مسمي أو أي مبرر أو أي خدعة.. لا تضحكوا علي أنفسكم بخدعة التدخل الأجنبي.. فالاستعمار أصبح محليا.. وطنيا.. والتحرير أصبح أجنبيا.. دوليا.
محاكمة سفاح مثل البشير جنائياً انتصار لكرامة
الشعوب المقهورة وتربية لأمثاله من الحكام العرب!
ا/عادل حمودة
في أسبوع واحد قدم العالم قرنفلة حمراء إلي نيلسون مانديلا هدية في عيد ميلاده التسعين وقدم " كلابشات " سوداء إلي عمر البشير تمهيدا للقبض عليه ومحاسبته أمام المحكمة الجنائية الدولية كمجرم حرب بعد أن قتل 200 ألف مواطن سوداني في دارفور وشرد مليونين غيرهم.
زعيم خالد يستحق البركة وجزار متوحش لا تجوز عليه سوي اللعنة.. حكيم طيب يشع بريقا وطهرا وجنرال بلطجي لا يعرف من قاموس الحكم سوي الذبح والقتل وفرم البشر وتمزيق الوطن في حروب أهلية وطائفية ودينية من أجل ساعات إضافية في السلطة.
تصدرت صورة مانديلا العناوين الطيبة لصحافة الدنيا وغرق البشير في حبر صفحات الجريمة الفظيعة.. الجزاء من نفس العمل.. المصير صنعه أصحابه.
نختار من مجلة " تايم " الأمريكية الدروس التي صاغتها خبرة مانديلا لحكام العالم الشاردين في مدرسة المشاغبين والمجرمين والسجانين والمخربين والفاشيين.
الدرس الأول : الشجاعة ليس معناها عدم الخوف ولكن إلهام الآخرين بالتحلي بها.. " رغم مخاوفي الذاتية فإنني لم أجعل أتباعي يلاحظون ذلك ".
الدرس الثاني : القيادة في القمة لا تعني تجاهل القاعدة.. "لم أنس في يوم من الأيام أن نفوذي الحقيقي مستمد من التفاهم مع زملائي.. وفي كل مكان تفاوضت فيه أخذت قاعدتي الشعبية معي".
الدرس الثالث : أحرص علي تولي قيادة الأمور من وراء الجدران وأترك الآخرين يعتقدون أنهم في المقدمة.. " تكلم بعد أن تستمع إلي مساعديك وعندما تطرح عليهم فكرة ما انسبها إليهم وكأنها فكرتهم ".
الدرس الرابع : أعرف عدوك وتعلم رياضته المفضلة.. فقد تعلم لغة الأفريكانو.. لغة أعدائه البيض في جنوب إفريقيا.. كما تعلم رياضتهم وفهم سلوكهم فكان من السهل عليه التفاوض معهم والتسلل من نقاط ضعفهم.
الدرس الخامس : دع أعداءك أقرب إليك من أصدقائك.. فقد كان يدعو خصومه إلي بيته ويكرمهم ولا ينسي هداياهم.. لا يكفي أهل الثقة.. فتش عن أهل الخبرة مهما اختلفوا معك.. السياسة لا تعرف العواطف.. وتقريب معارضيك يقيك شرهم.
الدرس السادس : المظاهر مهمة ولا تنس أن تبتسم.. لقد نجحت ليس بفضل إيماني بالحرية فقط وإنما بفضل مظهري المؤثر علي الآخرين أيضا.. إن المظهر القوي للقائد يحرك المشاعر ويجعل الإيمان به سهلا.
الدرس السابع : العب في المساحة بين المتناقضات.. المنطقة الرمادية بين الأبيض والأسود.. بين الحب والكراهية.. بين النضال والتفاوض.. واشكر من قدم لك شحنات السلاح والطعام بنفس الحيوية التي تشكر بها من اكتفي برفع الإيذاء عنك.
الدرس الثامن : مغادرة الحكم هي أصل القيادة.. " إن إدراك اللحظة المناسبة لترك السلطة هي أرقي فنون القيادة لا يدركه سوي القليل من الحكام.. إنها أكثر القرارات صعوبة وحكمة في نفس الوقت.
لم يكتشف البشير بالطبع درسا واحدا من هذه الدروس رغم بقائه في السلطة نحو عشرين سنة بعد انقلاب خادع اختلط فيه المصحف بالسيف.. وبرزت اللحية دون الحكمة.. وسيطرت فيه القنبلة وتراجعت القرنفلة. ومنذ اليوم الأول لاغتصابه الحكم لم يتردد في أن يشن حروبا أهلية.. مرة باسم الله.. وألف مرة باسم البقاء.. فقتل الملايين من شعبه دون أن يرتعش ضميره.. ومزق وطنه وقسمه بعد أن فشل في معاركه التي تصور فيها نفسه وكأنه عمر بن الخطاب يقاتل الكفار في بلاده.
ومن حسن حظه أن المحكمة الجنائية الدولية لا تحاسب عن ما قبل عام 2003.. العام التالي لتأسيسها.. فالجرائم البشعة التي ارتكبها في حق السودانيين قبل ذلك التاريخ لا يمكن تصورها.. ويبدو ما فعله في دارفور بواسطة ميليشيات التطهير العرقي المعروفة باسم الجنجويد بالنسبة لما سبقها مزحة أو نكتة أو بسمة أو لعبة.
تشكلت المحكمة الجنائية في 11 ابريل عام 2002 بفكرة من ترينيدا برزت علي السطح عام 1989 لمحاكمة تجار المخدرات.. وتحولت هذه الفكرة الملهمة إلي واقع ملموس عام 1993 بمحاكمة مجرمي الحرب في يوغوسلافيا.. وبمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا في العام التالي.. ولم تمر سوي سنوات قليلة حتي برزت المحكمة الجنائية الدولية بمباركة الأمم المتحدة وبموافقة 66 دولة علي الأقل.. ولم تنضم إليها الحكومات التي تخشي علي نفسها من العقاب مثل الصين الشعبية والولايات المتحدة وإسرائيل اللتين سحبتا توقيعهما علي قانون المحكمة وغالبية الدول العربية.
والمحكمة مختصة بمحاكمة أفراد الحكم الذين يرتكبون جرائم الإبادة الجماعية والقتل العمد الذي يشكل جريمة ضد الإنسانية.. والترحيل القسري للسكان.. والسجن بالجملة.. والحرمان من الحرية دون مبرر.. وتلفيق القوانين والقضايا.. والتعذيب المنظم.. والاغتصاب.. والاستعباد الجنسي.. والإكراه علي البغاء.. والحمل المتعمد.. والتعقيم.. والاضطهاد.. والاختفاء.. والفصل العنصري.. والقتل العمد.. وتدمير الممتلكات الشخصية.. والحرمان من المحاكمة العادلة.. والحبس غير المشروع.. والتشويه البدني.. وإجراء تجارب طبية وعملية دون استئذان.. والاعتداء علي الكرامة البشرية.. باختصار كل ما يحدث من السلطة علي جميع مستوياتها العليا والدنيا في العالم العربي.. فنحن طبقا لنصوص هذه المحكمة نعيش في مجزر آلي.. كل ما فيه من أوامر ينتمي إلي قاموس السلخ والجلد والضرب والقهر.
ولكن.. هناك من بين الحكام العرب من تفوق علي غيره وسجل أرقاما قياسية في القسوة العامة والهمجية المنظمة مثل السفاح السوداني عمر البشير الذي يسعدني كثيرا أن يقبض عليه ويرحل إلي مقر المحكمة ليلقي مصيره.. ولا جدال أن هذه الصورة ستفزع رفاقه في نادي السلطة العربية.. ستؤدب المنفلت.. وتربي المتجاوز.. وتهذب المتكبر.. ستجعل الباطش أكثر رحمة.. والقاسي أقل عنفا.. والفاشستي أقل إجراما.. والنازي أقل تسرعا في اتخاذ قرارات الاعتقال والاختفاء وتقييد الحريات.
لقد جاء البشير إلي حكم أكبر دولة افريقية بانقلاب أطاح بالتجربة الديمقراطية التي ولدت بعد سقوط جعفر نميري ولم يجد البشير سوي التنكر في هيئة الجنرال الشيخ الورع المكلف برسالة سامية من الله أدت إلي سنوات طويلة من الصراعات الأهلية والعرقية والطائفية جرت فيها مذابح ومجازر لم يكشف عنها بعد.. ولم يتردد في إيواء الجماعات الإرهابية التي دبرت عمليات اغتيال شخصيات سياسية مثل الرئيس مبارك. وحسب تحليل اليكس دي مول المحرر المتخصص في السودان علي موقع بي بي سي : فإن "البشير رجل سريع الغضب وكثيرا ما ينفجر في تعبيرات حانقة خاصة حينما يشعر بأن كرامته قد جرحت".. ويكفي ذلك الشعور كي يصدر قرارات انفعالية تؤدي إلي اعتقال وقتل وتشريد مئات الألوف من المواطنين في بلاده خلال أسابيع قليلة دون أن يهتز له رمش.
ومثله مثل نميري لا يخرج البشير للحشود التي يدفعون بها إليه إلا وهو يلوح بعصاه التي يستخدمها في المشي أيضا.. ويكرر دائما عبارة : إنه لن ينحني إلا لله سبحانه وتعالي.. والحقيقة أنه انحني أكثر من مرة للقوة الأمريكية التي أجبرته علي تسليم مجموعات من مساعديه إليها بتهمة الإرهاب مقابل أن يستمر في حكمه.. إنه يحكم بقوانين من عنده ويقول إنها من عند الله.
وهو ينتمي لعائلة أغلبها من المزارعين.. لا يزيد عمره علي 64 سنة.. انضم إلي الجيش دون مستوي تعليمي مناسب.. لم يمنحه الله ذرية يمتد بها بعد رحيله.. ويعجز بسبب قلة تعليمه عن مواجهة المثقفين والإعلاميين.. ويفشل في التعبير عن نفسه إلا من وراء الستار وبقرارات انتهت به إلي المحكمة الجنائية الدولية.
وقد بدأت فكرة محاكمته منذ ثلاث سنوات بناء علي طلب من مجلس الأمن بالتحقيق فيما يجري في دارفور.. وقام المدعي العام للمحكمة الجنائية لويس مورينو بجمع الأدلة علي ارتكاب البشير جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية هناك.. في دارفور.. وحسب هذه الأدلة فإن البشير دبر ونفذ خطة لقتل وتشريد مجموعات كبيرة من قبائل الفور والمساليت والزغاوة بحجة مكافحة التمرد.. بأمر منه هاجمت ميليشيات الجنجويد القري ودمرتها وطاردت الأفراد الذين فروا إلي الصحراء لقتلهم.. وأخضع من تمكن من الوصول إلي مخيمات اللاجئين للعيش في ظروف مؤلمة.
قال أحد الشهود : " عندما نراهم نفر جريا فينجو بعضنا ويقبض علي البعض الآخر فيقاد ويغتصب جماعيا.. عشرون رجلاً علي امرأة واحدة.. وهو أمر عادي في دارفور.. وهم لا يخجلون.. إنهم يغتصبون الفتيات علنا بحضور أفراد من عائلتهن ".
لقد شتت البشير خلال الخمس سنوات الماضية مليونين ونصف المليون شخص وحولهم من مواطنين إلي لاجئين ودمر بيوتهم وأودعهم الخيام بجانب أنه افقرهم وأفقدهم الشعور بالأمان وتحرش بهم واغتصبهم.. إنه لم يستخدم الرصاص فقط وإنما استخدم أسلحة الجوع والتخويف والاغتصاب أيضا.
إن البشير هو الحاكم والرئيس والقائد الأعلي وصاحب الكلمة الأولي والأخيرة وهي ألقاب ليست للوجاهة السياسية وإنما تلقي علي صاحبها مسئولية بحجمها.. إنها لعنة السلطة المطلقة التي تذهب بالعقول والضمائر ولا تجد من يقومهما في الداخل فليأت العالم ويأخذ حقوق الشعب السوداني المهدرة منه.. وسوف يصرخ غالبية الحكام العرب متضامنين مع البشير.. فهو واحد منهم.. ومثل أغلبهم.. وسقوطه تهديد لهم.. ومحاكمته محاكمة لهم.. سيقولون إن ما يحدث هو تدخل في الشئون الداخلية.. شئون داخلية لمن؟.. للشعوب أم لهم؟.. إن الشعوب لم تعد تملك شيئا.. لا الثروات العامة ولا الشئون الخاصة.. لا القدرة علي التغيير ولا وسائل المحاسبة.. وفي ظل سياسة الدفن بالحياة التي تتبعها أغلب النظم العربية ليس للشعوب المقهورة التي تعيش تحت قسوتها سوي انتظار تدخل السماء.. والسماء لا تتدخل بالملائكة الذين يهبطون منها وإنما بتسخير بشر أقوياء لنجدة اخوتهم الضعفاء.. بتسخير قوي دولية لانقاذ جماعات داخلية.. لا تساندوا الطغاة تحت أي مسمي أو أي مبرر أو أي خدعة.. لا تضحكوا علي أنفسكم بخدعة التدخل الأجنبي.. فالاستعمار أصبح محليا.. وطنيا.. والتحرير أصبح أجنبيا.. دوليا
إرسال تعليق