السبت، أكتوبر 03، 2009





المتحولون دينيا
دراسة في ظاهرة تغيير الديانة والمذهب
224 صفحة
الناشر: مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف.
لـ هاني نسيرة:
2/9/2009
صدر عن "مركز أندلس لدراسات التسامح ومناهضة العنف" كتاب "المتحولون.. دينيا: دراسة في ظاهرة تغيير الديانة والمذهب" للكاتب المصري الأستاذ هاني نسيرة؛ ويعد هذا الكتاب الجديد أول دراسة عربية معمقة حول مسألة تغيير الديانة والمذهب، هذه القضية التي رغم حساسيتها وضجيجها الذي لم ينته ولن ينتهي حسب الكاتب، إلا أنها لم تنل حقها من الدراسة عربيا بإطلاق، وغربيا بدرجة ما، مما يجعل هذا الكتاب أول كتاب عربي حولها.
نتعرف مع هاني نسيره في هذا الكتاب على العديد من المداخل التحليلية والتفسيرية لظاهرة التحول الديني، كما نتعرف على العديد من النماذج والحالات التاريخية والمعاصرة، حيث يصر الكاتب منذ البداية على القراءة الموضوعية والعلمية لهذه الظاهرة، بعيدا عن اللغة السجالية التي تلفها، ومنطق الانكسار أو الانتصار الذي يثير غبار المعارك حولها، سواء في موضوعها المتحول- الشخص، أو في طرفي التحول، دوائر اعتقاده السابق واللاحق، الدين أو الطائفة التي تحول عنها أو تحول إليها.
كما نتعرف على العديد من حالات المتحولين، يمينا ويسارا، أفرادا وجماعات، بعضها توغل بنا في التاريخ كما ينغرس بعضها الآخر مرآة الواقع كل يوم، تجد فيها الغربي والشرقي، المصري والعربي والأفغاني والكوري، تجد التحولات داخل الأديان وخارجها، كما تجد التحول للإلحاد واللادينية.. كما حرص الكاتب على الاتساع التاريخي والاتساع الجغرافي في تتبع هذه الظاهرة، مما ساعده على سعة التحليل وتكامليته مناهجه، فهو يؤكد أن التحول الديني لا يمكن أن يكون نتاج سبب وحيد، حميد أو خبيث، وبالتالي لا يمكن أن تكون نتيجته ودلالته واحدة، حميدة كانت أو غير حميدة.
من نماذج الاتساع الجغرافي الذي نجده في هذا الكتاب، فلم يوغل هاني نسيره في العزلة والانسحاب لحدود الحالة المصرية أو العربية، بل أضاءها بعشرات النماذج شرقا وغربا، نجده محاولا تفسير تحول العديد من الإيرانيين للزرادشتية أو الغربيين إلى البوذية، أو التحولات بين المسيحية والإسلامية، أو بين الطوائف الداخلة في فضاء كل منهما.
وكما يتسع فضاء الجغرافيا يتسع فضاء التاريخ فكما نجد بولس الرسول والقديس أوغسطين وأول من أسلم، وأول من تنصر، نجد ملوكا أسلموا وآخرين تنصروا كما يحقق بعض الدعاوى حول التحولات مثل تحولات الشيخ سليم البشري أو الشيخ محمد الفحام، وقصصا ودلالات أخرى نجدها، كما نجد من حولوا دينهم نتيجة العنف أو الحب أو الدنيا، ومن حولوها حقيقة من أجل الدين.
نجد الحب مثلا في حالة عبد العزيز بن موسى بن نصير وأرملة لزريق، كما نجد المسألة الروحية في تحولات ميخائيل منصور أول من عمده بابا الفاتيكان، كما نجد سببا آخر في تحولات مجدي علام أخر من عمده بابا الفاتيكان، كما نجد محمد أسد وكيف اكتشف إسلامه فجأة؟ ونتعرف على قصة الملك المغولي خدابنده (عند الشيعة) وخرابنده (عند السنة) حيث تعني الأولى عبد الله والثانية تعني عبد الحمار.
ويعد هذا الكتاب "أول كتاب عربي يناقش ويستكشف مسألة تغيير الديانة، سواء في ذلك التحول الديني والمذهبي، أو التحول للإلحاد ولللادينية" وهو في الأصل "دعوة للتفكير وللمساءلة، دعوة لحق الاختلاف وواجب الاعتراف، دعوة لتأمل التاريخ".
ويحدد الكاتب منهجه بقوله "لم أسفه أحدا، ولم أكره أحدا، ولكن حكّمت التاريخ ورفضت ما يرفضه العقل ويعوزه الدليل الثابت، فرددت الإشاعات، ورفضت ما لم يثبت عندي حدوثه واحترمت خيارات الجميع، محللا وباحثا عن تفسيرات وتحليلات موضوعية وعلمية لظاهرة عدمت الدرس في ثقافتنا، رغم شيوعها قديما وحديثا."ويضيف أن "العينة الموجودة، في الكتاب، عبر إشاراته ونماذجه، يمكن اعتبارها ممثلة ومعبرة بدرجة ما، عن ظاهرة التحول وتغيير الديانة، دونما تحيز لها أو عليها، مؤكدين أنه رغم ذيوعها وتكرارها، إلى هذا الاتجاه أو ذاك، لم تخضع لتناول علمي مدروس، أو تأسيس نظري وتشريعي ينفض غبارها ويهدئ من أوارها، كلما صعد دخانها، لذا أرجو أن يكون هذا الكتاب مضيئا للنفق المظلم الذي تحشر فيه مسألة التحولات الدينية، وموجها لتفعيل وتوليد خطاب ناضج حولها، كظاهرة تاريخية مكرورة، ومتصالح مع قيم حرية المعتقد والمواطنة التي أقرتها الدساتير والمواثيق الدولية، وأكدت ضرورتها الخبرات الدينية والتاريخية والإنسانية دائما."
ويقسم الباحث كتابه إلى قسمين يتناول في الأول منهما مداخل لتفسير التحول الديني، وفي القسم الثاني يستعرض نماذج للتحولات الدينية والمذهبية التي دوافعها إيمانية أو خاصة، فهناك ملك يسلم وآخر يتنصر من أجل الملك، وهناك تحولات أخرى بدافع الخوف، أو تحولات بسبب الحب.
يدرك المؤلف الأستاذ هاني نسيره أهمية كتابه وإشكالاته حين يقول:"إن إخضاع مسألة التحول في الاعتقاد، وليس فقط في المذهب، لبحث علمي وفكري أمر صعب على نفوس البعض، هنا وهناك، وبخاصة أن قراءة وتفسير مسار العبور بين الأديان أو داخلها – شأن هذه الدراسة – أمر خطير ومثير في موضوعه، ومن ثم يحدد لنا في تقديمه لهذا الكتاب منهجه أو الخطوط الرئيسية التي ترسم بنيان هذا الكتاب ومنها:
أولا: أن هذا الكتاب يناقش تحديدا موضوع المتحولين دينيا، الذين يعدون مرتدين في عرف من تحولوا عنهم، ومهتدين في مرآة أنفسهم، أو من تحولوا إليهم، لكننا في هذا الكتاب رغم أننا نلامس المحتويات الإيمانية إلا أن معايير وأحكام الهداية والضلال ليست غايتنا فيها.
ثانيا: يقرأ الكتاب ظاهرة التحولات الدينية كظاهرة تاريخية وموضوعية، ومناقشة لمسارات نماذجها المتعددة، والمقارنة بين خطاباتها وسياقاتها قبل التحول وبعده، مؤكدا الحق في حرية المعتقد، كما أكدته القراءات الدينية المستنيرة في كل دين، وكذلك المواثيق الدولية والإنسانية.
ثالثا: يناقش الكتاب عدة أنواع من التحولات؛ التحول الكلي: ويقصد به التحول من دين إلى دين، التحول الجزئي: ويقصد به كلا من التحول الطائفي والتحول المذهبي أو الفرعي، وكذلك التحول المضاد ويقصد به التحول من الإيمان الديني إلى اللادينية أو الإلحاد.
رابعا: من الضروري أن تتداخل العديد من العلوم والمناهج في قراءة ودراسة التحول الديني.
خامسا: تشغل مسألة التحولات الدينية مختلف الطوائف، وليس أكثر منها إثارة للمشاعر والإحساس بالخطر لدى رجال الدين والمتشددين عموما.
سادسا: ربما كان البروتستانت أول من اهتم بمسألة التحولات الدينية والتنظير لها، خاصة في ظل غلبة التحولات إليهم من الطوائف المسيحية الأخرى.
سابعا: يهتم الكتاب بشكل أساسي بالتحولات عن الإسلام والتحولات إليه، وتفسيرات كل منهما المختلفة، ولكن لا يتجاهل الكتاب قدر الإمكان عرض نماذج لتحولات أخرى.
وينتقد الكاتب ما يسميه القراءات المجانية حول ظاهرة التحول الديني لأنها تقف عند حدود الإثارة والقراءة المسطحة، كما تقف عند طرفي التحول، دون أن تقرأ حالة التحول نفسها، وإن ركزت عليه رمزا لهما، وهذا التناسي لحالة التحول كعملية انتقال بين الطرفين أو الدينين، يعني التعالي على الظاهرة، وأن ما يتم ليس سوى استثمار واستنفار لها!
ويشير إلى العديد من الأمثلة التي يتم توظيفها ومنها حالة" الرئيس الأمريكي أوباما" الذي علق بعض المسلمين المتعصبين والسطحيين على نجاحه بأنه ناتج عن تنازله السابق عن دينه، أو أنه من عبيد البيت، كما وصفه أيمن الظواهري ..بينما يبدي اليمين الأمريكي المتشدد ما يشبه الشك في مسيحية أوباما أو أمريكيته مؤكدا على أصوله الإسلامية وإخلاصه لها .
وفي التاريخ المصري يمكننا أن نشير إلى أثر مسألة التحول الديني على سقوط النظام الملكي في مصر، في عهد الملك فاروق، الذي أثرت عليه سمعة والدته وتحول شقيقتيه للمسيحية
ويحدد الكاتب مشاكل قراءة حوادث التحول الديني وتفسيرها، في تركيزها الصوري الشكلي على ثلاثة أمور بشكل رئيس: أولها: تركيزها على طرفي التحول: أي الدين الذي تم التحول إليه والدين الذي تم التحول عنه.
ثانيها: أيقنة المتحول: أي جعله أيقونة يتم تقديسها أو تدنيسها حسب كل طرف في الغالب، ويصير رمزا ودلالة عملية وواقعية على الصراع الديني الرمزي والتاريخي.
ثالثها: تحيزات القراءة: فكثيرا ما تكون قراءة التحول الديني أو المذهبي وتفسيره متحيزة متهمة له بالخوف أو الرهبة وعدم الشجاعة أو الطمع...
ويركز الكتاب بشكل رئيس على المتحول نفسه، على أفكاره ومبرراته ومنطقه وسياقاته الخاصة والعامة، قبل أن يقف عند عنوان مسكنه الأول والأخير، الذي ربما لم يكن أي منهما اختيارا طبيعيا له، من هنا فإن استكشاف المبررات والمنطق للانتقال بين دينين، أو من الدين إلى الإلحاد، يعيد لهذه الظاهرة التاريخية قديما وحديثا طبيعيتها وموضوعيتها بعيدا عن الاستقطاب اللاشعوري والانفعالي المحيط بها؛ حيث إن مسألة تغيير الديانة في المقام الأول اختيار فردي يخص صاحبه قبل أن يخص غيره، وهو اختيار ينبغي أن يتقبله من انتقل عنهم كما يرحبون بمن انتقل إليهم، حين يكون التحول معكوسا، فقراءة التحول في حدوده الفردية يكشف مساره وتوتراته؛ بل قد يعصم الجماعة وعقلها من المبالغة والتشنج.
وأخيرا تظل الدلالة الأعمق ـ مما أورده الكتاب من نماذج وما لم يورده ـ كما يذكر هاني نسيره هي أن التحولات تظل خيارات فردية وأن حرية الممارسة الدينية والدعوة الدينية وحرية المعتقد حق مقدس لا يجوز المساس به إلا بالحوار وبالتي هي أحسن، فمن حاور الناس بالسجن أو القيد فهو لا يملك عقلا ولكن يملك هذه الأدوات.. أو فليتباهلوا إن أرادوا!
إن هذا الكتاب بموضوعه يستحق عن جدارة وصف "كتاب مثير"، لكنه باعتبار منهجه واتساعه التاريخي والجغرافي والمعاصر في آن واحد يستحق وصف "كتاب عميق". ولأن المؤلف يهمه في المقام الأول يستهدف الفهم لا يتوقف أمام الظاهرة "فقهيا" بل "معرفيا"، وهو بهذا يتجاوز السجال الفقهي الذي يحيط بمسألة التحول الديني أو تغيير الديانة. وللسبق دائما ضريبته، فالكتاب مغامرة جريئة من كاتبه إذ يمهد الأرض كأول دراسة عربية وربما شرقية في هذا الاتجاه، فضلا عن ندرة هذا النوع من الدراسات في المجال الغربي. ولا نبالغ إذا قلنا إن مجرد صدور كتاب يتناول هذه القضية إضافة للمكتبة العربية.
الكتاب: المتحولون دينيا: دراسة في ظاهرة تغيير الديانة والمذهب
المؤلف: هاني نسيره
عدد الصفحات: 224
الناشر: مركز أندلس لدراسات التعصب والتسامح
مكان النشر: مصر
سنة النشر 2009
إرسال تعليق