الأحد، مايو 10، 2009

حاجة خنازيرى خالص
07/05/2009
إبراهيم عيسى يكتب
من أول السطر
عدت من لندن حيث زرت هناك أهم الصحف العالمية فاجتمعت مع طواقم تحرير صحف التايمز والديلي تليجراف والجارديان والفايننشيال تايمز (وأحدث صحيفة مسائية هناك وهي لندن بيبر) وكذلك إدارة تحرير شبكة البي بي سي بفرعها البريطاني والدولي، تفاصيل الرحلة وهدفها لها وقت آخر قد يأتي، لكن يبقي أنني كنت في العاصمة البريطانية، بل في قلب صناعة رأيها العام في اليوم الثاني لإعلان إنفلونزا الخنازير ثم اكتشاف حالات في بريطانيا ووفاة حالتين، والحقيقة أن إنفلونزا الخنازير تصدرت الصفحات الأولي ليوم أو اثنين ثم عادت لتصبح خبرًا ضمن أخبار التغطية لشئون الحياة والدنيا، لم أجد في الإعلام البريطاني ولا في صحفه أي هوس بالحديث عن إنفلونزا الخنازير رغم اقترابه، بل وجوده علي أراضيهم فضلاً عن أن الحياة في لندن لم يظهر فيها أي هلع أو فزع أو توتر، وكان الصخب في ميادينها الرئيسية والزحام في مطاعمها والحياة في فنادقها وعمليات البيع والشراء في محالها الأشهر والأغلي مستمرة بمنتهي النشاط والانتظام، حتي في مطار هيثرو مطارها الهائل والأكبر لم أجد ضابطًا أو عسكريًا واحدًا يرتدي كمامة أو أي إجراءات تثير قلق أحد ولا تزعج القادمين أو العائدين بقصة إنفلونزا الخنازير.
من لندن سافرت إلي مؤتمر اليوم العالمي لحرية الصحافة الذي نظمته هيئة اليونسكو في الدوحة وفي مطارها وجدت الجميع يرتدي كمامة في استقبالنا وإن أحسست أنهم يفعلون ذلك غرامًا بالمشاهد التليفزيونية أكثر من كونه إجراءًا مهمًا بينما ظلوا يتفاخرون أنهم لا يربون خنازير ولا يستوردون لحومها وإن كنت أشك في الأخيرة فهم يستورودن كل شيء في الدنيا، والأجانب في قطر أكثر من القطريين، عموما عدت إلي القاهرة (حمداً لله علي سلامتي) لأجد مصر تعيش هوسًا جنونيًا بإنفلونزا الخنازير فعلاً، كنت تابعت طبعًا تحالف الحزب الوطني مع جماعة الإخوان المسلمين في البرلمان للحملة الإسلامية علي الخنازير وفهمتها مزايدة مضحكة من الطرفين تتماشي مع النفاق الديني السائد في حياتنا المصرية، لكنني فوجئت فعلا في مصر بحالة هلع وفزع نتيجة اهتمام جماهيري واسع وعميق بإنفلونزا الخنازير، الأمر مدهش؛ فالشعب المصري آخر شعب في العالم يهتم بصحته ولم نجده في يوم من الأيام ثائرًا غاضبًا متحركًا رافضًا معارضًا لمياه الشرب المخلوطة بالروث والصرف الصحي الذي يشربها ليل نهار بالسم الهاري الذي يصيبه بالفشل الكلوي والكبدي وكل بلاوي الأمراض ولم نعرف الشعب المصري غاضبًا أو حتي مهتمًا بالطعام الملوث الذي يأكله بسمومه وومبيداته وسرطانه في كل وجبة، الشعب المصري مسالم مستسلم ومختوم علي روحه وهو يعاني أعلي نسبة تلوث في هواء مصر ويشم كمية من الدخان والتراب دمرت صدور المصريين وأطفال المصريين، وأكبر نشاط للشعب المصري يوميًا هو «الكح»، حتي عندما هجمت علي البلد إنفلونزا الطيور كان المصريون أكثر شعوب الأرض استخفافا بالمرض وقاوموا بشدة وحتي الآن أي إجراءات للحماية أو الوقاية من الإصابة بالمرض وأصيب به العشرات ومات منه مصريون وكانت مصر واحدة من أفشل بلاد العالم مقاومة للمرض ومن أكثرها امتلاء به، ومع ذلك فلا هو شغل تفكير الشعب ولا شفناه مفزوعًا وقلقًا (سمعت شغالة تنهر صبي الزبال علي السلم وتصرخ فيه: إنت لا تقرب مني ولا تلمسنا ولا تمد إيدك علي بيتنا إحنا ح نرمي الزبالة في الشارع وابقي خدها من هناك.. هذه الشغالة نفسها تربي في بيتها طيورًا ولا تجد أي مشكلة في إنفلونزا الطيور التي أصابت أقارب لها في البلد، بينما تخشي من إنفلونزا خنازير أصيب بها أقارب للحاج خوليوس في المكسيك)، السؤال هنا: لماذا ساد هذا الشعور بالفزع لدي المصريين من إنفلونزا الخنازير، بينما كانوا آخر شراء دماغ (ولا يزالون) مع إنفلونزا الطيور؟!
الإجابة بعيدًا عن الطبطبة والمراوغة والتدليس، هي التطرف الديني؛ المسلمون سواء عن عَمْد أو عن تلقائية وجدوها فرصة للاستنفار ضد المسيحيين باعتبار حيوان الخنزير حكرًا عليهم، واندمجت الكراهية المكتومة والخصومة المستترة للأقباط مع ما يمثله الخنزير من تحريم في الدين الإسلامي ورمز للقذارة في المفهوم الشعبي، ثم تحول القبطي المسيحي إلي مصدر للعدوي (والأذي) باعتباره هو - وليس المسلم - الذي يتعامل مع الخنزير ومن ثم اتسعت شعبية الخوف من إنفلونزا الخنازير وزادت عن حدها خصوصًا مع اكتشاف قطاع عريض من المسلمين لحجم انتشار ووجود الخنازير ومزارعها في مصر واعتبرها كثيرون لعنة دينية، وتأكيدًا علي صحة الموقف الإسلامي أمام المسيحية (طبعا يتم إغفال جنون البقر وإنفلونزا الطيور والحديث فقط عن حكمة الإسلام فيما يخص الخنازير).
الأزمة نفسها كشفت فعلا أن الأقباط يتصرفون كأقلية في وطنهم (سلم لي علي المواطنة يا أستاذ جرجس!!) فلا صوت قبطي يعارض ولا أصوات قبطية تحذر و لا شرح لحقيقة المرض الذي لا علاقة له بلحوم الخنزير ولا أقباط يدافعون عن حقهم في أكل الخنزير أو عن تجاره ومربيه، وتركوا المهمة للغضب الأحمق الفوضوي المعتاد من بعض صبية ومعلمي مزارع الخنازير!
طبعا لا أقلل من خطورة إنفلونزا الخنازير ولا أعني إهمال الوقاية منها، لكنني - يقينًا - أعرف أنها ستصل لمصر خصوصًا بعد ما شاهدته في مطار القاهرة من فوضي وعبث وتعامل فظ وعلاج بلدي للأزمة عبر احتشاد عدد من العساكر، منظرهم بالكمامات يموِّت من السخرية يغلقون الطريق بأجسادهم والنداء علي القادمين من رحلات عربية بأن يعدوا من هنا (هنا دي عبارة عن ممر ضيق يسع مرور طفل) بينما يعطلون القادمين من رحلات أوروبية وأمريكية بالزق والدفع كأننا في محطة أتوبيس عين الصيرة كي يتبينوا خلوهم من إنفلونزا الخنازير، بينما نتأكد من إصابتهم بإنفلونزا الخنازير العقلية في بلدنا!!
إرسال تعليق