الأحد، يوليو 08، 2007


الدنيا أجمل من الجنة.. سيرة أصولي مصري

الأزهر يُصادر "سيرة أصولي مصري"

حتى لو تخيلت نفسك على أحد كراسي المؤسسة الدينية الرسمية.. المحافظة (الأزهر)، فلن تجد مبررا لمصادرة (الدنيا أجمل من الجنة.. سيرة أصولي مصري).. كما فعل مجمع البحوث الإسلامية، الذي يكاد يقتصر دوره الديني على المصادرة، وإنقسام أعضائه بين مؤيد ومعارض للتبرك بالبول وإرضاع الكبير وتولي المرأة للقضاء وختان الإناث.

لن تجد مفردة واحدة عدائية.. أو مُدينة لتجربة الزميل خالد البري في (الجماعة الإسلامية). لن تجد حكماً مع أو ضد. لن تجد جدلاً دينياً من أي نوع أو على أي مستوى. على العكس فـ (الشيخ طه) الذي قاده إلى "التجربة" التي استمرت حوالى تسع سنوات بين متعاطف ثم عضو، فمعتقل ثم متعاطف، يصفه خالد بأنه "أحد أطيب وأخلص من قابلتهم في حياتي".
فقط يروي وقائع، عاشها، وتواترت عن أساليب تجنيد ثم أنشطة أعضاء الجماعات الأصولية. لكنه عن حرص، وربما عن محبة، يتفادى أي هجوم عليهم، فحتى بعد الإفراج وقرار الإبتعاد عنها والإكتفاء بأداء الفرائض في المنزل والعودة لمشاهدة التليفزيون بعد مقاطعة خمس سنوات، واستعادة "أهلويته" ومدرجات تشجيع الشياطين الحمر، ظل لأربع سنوات تالية مقتنعاً بأنهم "على حق وأن الله تعالى ناصرهم لا محالة".

(البري) كما ملايين منا حلم في مراهقته، مع أسرته البرجوازية بزي الأطباء وبريقه، واستمر الحلم ملازماً له في مراحل تدرجه الأصولي، الذي وصل بعد شهور من تجنيده إلى "أمير إخوة ثانوي" في أسيوط، ثم أحد خطباء الجماعة في كلية الطب التي تخرج فيها بعاصمة الصعيد.. والتطرف. لكن قراره بعد سنوات بالتحول صحفيا / كاتبا أدخله في تجربة جديدة، هى إلقاء نظرة على مسيرته مع الجماعة. كان صريحا "لم أشارك في تدريبات "جهادية" وليس في جعبتي حكايات غريبة عن أمراء يتزوجون ممن بدا لهم من أقارب "الأتباع". فماذا لدى؟ ولماذا يهتم أحد بحكايات "عادية" لإنسان "عادي"؟"

بدأت السيرة بمقال أول في جريدة (العائلة)، حمد الله لأنها صودرت، فعنوان موضوعه "جريا على عادة الصحافة المصرية الراهنة في ابتذال عناوين موضوعاتها وتسفيهها"، وكما رأى فريق التحرير.. "أنا والجماعة الإسلامية وميادة الحناوي". لكن حظ فكرة الكتابة كان أفضل مع جريدة النهار اللبنانية، قرأ المقال الكاتب وضاح شرارة- الأستاذ بالجماعة اللبنانية- مع مواطنته الزميلة ليليان داود، وبعد اتصال وجدت تجربة (البري) الأصولية طريقها إلى ملحق النهار، ثم صدرت ككتاب عن الدار اللبنانية العريقة. وأخيرا عن دار "ميريت" ليصدر قرار مجمع البحوث الإسلامية في الأزهر بمصادرتها.

يحكي خالد بسلاسة كيف تحول من مراهق، ينهي عام 1986 سن الرابعة عشر، يفهم السياسة على انها "الشعب العربي الواحد" إلى "مؤمن بحتمية المواجهة العسكرية للقضاء على النظام العلماني الكافر".

كان الأضعف بدنيا بين لاعبي الكرة في الشارع، وبدا "الجنزير"، هدية أولى خطوات الاستقطاب الأصولي، "آلة سحرية" في الخناقات، صاحب هدية الجنزير سيتلقى 70 عصا "مدا" على قدميه فيما بعد عقابا على خطأ تنظيمي، وستحاول وتواصل الجماعة علاجه طبيا من المثلية الجنسية السلبية، مع اعترافه بها، وسيعتقل مرات.. آخرها امتد لسنوات طويلة، في حين س"يُدمي" جسد "مثلي إيجابي" بالجنازير أصر على الصلاة إماما بها، في واقعة شهيرة بأحد مساجد أسيوط.

(سيرة أصولي مصري) تستهل اولى درجاتها مع (الشيخ طه) الذي تدريجيا ينجح في الفصل بينه وبين الغناء، معشوق البري خاصة صوت ميادة الحناوي، لكنه ظل محتفظا بأغاني عبدالحليم الوطنية، ثم "البراءة من الكفار" وقطع علاقته بجيرانه المسيحيين، بدأت بوقوفه "ناضورجي" لعلقة تأديب "جهادية" لمسيحي، و"التمايز" عنهم، وعن التيارات الأصولية الأخرى وعن غير الملتزمين من المسلمين. أفهمه الشيخ طارق "ان الله لا يحب شريكا في قلب المؤمن"، وفي مرحلة لاحقة "أن مسيحي مصر ليسوا أهل ذمة لأنهم يرفضون جهارا تطبيق الشريعة ورفعوا السلاح في الزاوية الحمراء".
كان قرار "التمايز" صعباً، فطفولته متداخلة مع العشرات منهم، تعلم في مدرسة الرهبان الفرنسيسكان، وما زال يتذكر حسم (الأُخت أوجنين) وهي تُسمع لهم سورة الحديد، لغياب مدرس الدين، وعدم تهاونها في كسرة أو فتحة.

حكايات عادية يرويها البري، حملات منع الاختلاط من لعب الشارع إلى الجامعة، متعة قراءة (تحفة العروس) و"التكبير أثناء القذف"، قتل مسيحي أقام علاقة مع مسلمة وقطع أذن وكسر ظهر آخر لنفس السبب.. إلخ. قيمتها في سياقها الإنساني، وعدم التعالي على أصحابها و"حسابهم"، فهم "بشر".

"بشريتهم" كانت أولى صدمات (البري)، مع مشاهدة معركة المسجد الدامية للأخ المثلي الإيجابي.. سيُعثر على جثته مقتولا بعد عامين،. ثم ترسخت صورة "البشر" مع تجربة السجن. لم يسهب في الحديث عن التعذيب، فقط إشارات وتلميحات، لكن ما أوجعه هو عزل الجماعة له لإصراره على إكمال دراسته وعلى الكتابة لأسرته يوميا، رأوه مُتعلقا بالدنيا، وتبين له انهم يفتحون خطاباته مثلهم مثل إدراة السجن. لن تجد، نهائياً، ما يُقارن بجرأة ما كشفه اليساريون عن تجربة السجن مع رفاقهم. لكن عميد كلية شريعة الأزهر / حلوان، أحد موقعي قرار المصادرة، قال مواجها الناشر محمد هاشم في برنامج (كتب ممنوعة) على قناة النيل الثقافية الخميس الماضي، إن صفحات السجن "العشرين" تستوجب الحذف، ولم يستطع أن يبرر لماذا، خاصة وأن (كمال حبيب) أحد قيادات الجهاد التاريخيين عبر عن دهشته من المصادرة، ورفض حجج (عميد الشريعة) بما فيها ما يتعلق بعنوان الكتاب الذي اقترح عضو مجمع البحوث، كما أصر على تسميته في تقريره "الدنيا أحلى من الآخرة"!.
العنوان، جملة عفوية "تنفس" بها (البري) لنفسه مع أولى خطواته حرا بعد الإفراج.. "الدنيا أجمل من الجنة". ليدخل لسنوات مرحلة التباس ثم تحول فكري، انتهت به يجد نفسه "إنسان مختلف تماما عن ذاك الذي كنته. أفضل أو أسوأ، لم يكن يهمني، لكنني بالتأكيد صرت أكثر تسامحا وإحساسا بإنسانيتي وإنسانية الآخرين".

محمد طعيمة
العربي
8-7-2007
إرسال تعليق