الخميس، نوفمبر 06، 2008


مقاله علاء الاسوانى الإسبوعيه فى جريدة الدستور(( جملة إعتراضية ))0
حدث ذلك فى العام الماضى ..0كنت فى لندن عندما ثارت ضجة كبرى حول أحد المسلمين من أصل باكستانى وهو مولود فى إنجلترا ويحمل الجنسية الإنجليزية .. فقد ألقى هذا الشخص خطبة الجمعة فى أحد مساجد لندن فأعلن على المصلين أن إنجلترا ليست إلا واحدة من بلاد الكفار , وأن المواطن الإنجليزى المسلم يجب أن يرفض أداء الخدمة العسكرية فى الجيش الإنجليزى الكافر ...0وأن عقوبة المسلم الإنجليزى الذى يقبل التجنيد أن يتم ذبحه بمقتضى الشريعة الإسلامية .0وقد إستعمل الخطيب كلمة يذبح بدلا من يقتل ليؤكد أن حكم الشرع هنا هو قطع الرقبة ...0بالطبع تم القبض على هذا الخطيب وتصدرت كلماته الصحف الإنجليزية جميعا ..0وكانت هذه الواقعى بمثابة هدية العيد إلى الكتاب الصهيونيين والمعادين للإسلام فإنهمرت التعليقات حول دموية الإسلام وتشجيعه للإرهاب .0وقلت لنفسى أن هذا الخطيب المتطرف الجاهل سوف يلقى أقصى عقوبة فى القانون البريطانى وهو يستحقها بالتأكيد , فهو يعلن إحتقاره لبلاده التى يحمل جنسيتها ويحرض الشباب على رفض الخدمة العسكرية ثم يحرض الناس على ذبح الجنود البريطانيين المسلمين , وهذه الدعوة العلنية للقتل تأتى بعد أن تعرضت إنجلترا إلى هجمات إرهابية أدت إلى مقتل العشرات من الأبرياء ..0كل هذه العوامل جعلت عقاب هذا الخطيب مؤكدا ومفهوما بالنسبة إلىّ , لكننى بينما كنت أشاهد نشرة أخبار الساعة الخامسة فى التليفزيون , فوجئت بخبر الإفراج عن الخطيب المتطرف دون توجيه تهمة .! وقد صرح القاضى الإنجليزي الذى أفرج عنه بأن ما دعا إليه الخطيب من قتل المجندين المسلمين لايشكل تهمة تحريض على القتل , لأنه لم يدع إلى قتل شخص بعينه ... ومن ثم فإن دعوته العلنية إلى القتل , برغم وحشيتها , لا تخرج عن كونها مجرد أفكار والقانون البريطانى لا يعاقب الناس على أفكارهم .0تذكرت هذه الواقعة , وأنا أقرأ على المأساة التى يتعرض لها الآن الطبيبان المصريان شوقى عبد ربه ورءوف أمين , فقد إتهمتهما السلطات السعودية بإعطاء بعض الأدوية المهدئة إلى أميرة سعودية مما تسبب فى إدمانها المخدرات . والتهمة غائمة غير محددة وتحتاج إلى تحقيق طبى متخصص ومحايد , خصوصا أن الأميرة كانت مدمنة للمخدرات قبل أن تبدأ العلاج مع الطبيبين ...0وفى كل الأحوال فإن من حق أى متهم أن يحظى بمحاكمة عادلة ... 0لكن السلطات السعودية إعتبرت أن بلاغ الأميرة عنوان الحقيقة , فالأميرة السعودية عندهم منزهة عن الكذب .وبالتالى تم القبض على الطبيبين المصريين وضربهما وتعذيبهما حتى يعترفا بما إتهمتهما به سمو الأميرة ,, ولما إعترفا تحت وطأة التعذيب البشع صدر الحكم عليهما بالحبس 7 سنوات وألف خمسمائة جلدة لكل منهما ... ولما إستأنف أحدهما , الدكتور رءوف أمين , الحكم الصادر ضده , صدر عليه حكم جديد بالحبس 15 عاما بدلا من سبع سنوات .... عقابا له , فيما يبدو , على إستئناف الحكم الأول والإعتراض على مشيئة سمو الأميرة فى التنكيل به ...0ونحن هنا نتساءل : لو كان هذان الطبيبان إنجليزيين أو أمريكيين هل كانت السلطة السعودية تجرؤ على جلدهما وحبسهما ؟ 0بل وهل كان بمقدور السلطة السعودية أن تقبض عليهما من الأساس ؟؟0الإجابة طبعا معروفة فالغربيون فى السعودية معاملتهم تختلف تماما عن معاملة العرب المسلمين ... ولقد قالت زوجة الدكتور رءوف أمين لجريدة الوفد : (( إن الأمر كله فى يد الأميرة السعودية فهى تستطيع أن تظلم وأن تعفو بالتليفون )) ..0والمعنى هنا أن القانون فى السعودية يتفاوت تطبيقه على الناس تماما , بإختلاف الجنسيات والنفوذ والمكانة الإجتماعية ....وفى هذا إنتفاء لفكرة العدالة من أساسها .. إن الظلم الذى يتعرض له مئات الألوف من المصريين فى السعودية , وهذا الإحتقار من السلطات السعودية للمصريين , وهذا التخاذل المشين من قبل الحكومة المصرية عن حماية المصريين فى السعودية .. كل هذا ليس بجديد .. لكن ما يستحق التأمل أن هذا الظلم الفاحش الذى وقع على الطبيبين المصريين .... إعتبرته السلطات السعودية تنفيذا لشريعة الإسلام ....0وهنا تصدمنا ظاهرة التدين البديل التى كتبت عنها من قبل , عندما يستبدل الناس بجوهر الإسلام ومبادئه الحقيقية , الطقوس والمظاهر ... عندما لا نرى فى الإسلام دفاعا عن الحق والعدل والحرية وإنما نقصره على الحجاب وأداء صلاة الجماعة ..0إن ظاهرة التدين البديل قد نشأت أصلا فى المملكة السعودية ثم إنتشرت منها إلى أنحاء المعمورة .0فالسلطات السعودية التى تمنع الإختلاط فى المدارس وتحرم التمثيل ونحت التماثيل والتى تجبر الناس عنوة على أداء الصلاة وتمنع المرأة من قيادة السيارة وتنهرها وتضربها إذا كشفت شعرها أو جزءا من قدمها . هذه السلطة المتشددة فى المظاهر لا تجد غضاضة فى إقامة قواعد للجنود الأمريكيين فى السعودية ليشنوا منها حروب إبادة ضد المسلمين فى البلاد المجاورة , ولا تجد حرجا فى أن تضع الثروات الطائلة التى تقدر بتريليونات الدولارات فى البنوك الأمريكية "" الكافرة "" بينما تحرم البنوك فى العالم الإسلامى من الإنتفاع بها .. وهذه السلطة السعودية المتشددة فى المظاهر لا تتورع عن إرتكاب أكبر أشكال الظلم الفاحش ضد المقيمين غير السعوديين ....0بدءا من الإستيلاء على أجورهم لصالح الكفيل وحتى إذلالهم وضربهم وحبسهم لو خالفوا أوامر سيدهم السعودى ..0ولنقارن هنا بين القاضى الإنجليزى والقاضى السعودى .. فالقاضى الإنجليزى , غير المسلم , الذى لم يزعم أبدا إنه ينفذ شريعة الله , إحتكم إلى ضميره الإنسانى والمهنى وإلى قانون ديمقراطى يحرم تجريم الناس على أفكارهم فأطلق سراح شخص دعا إلى تكفير الآخرين وذبحهم .,, أما القاضى السعودى فهو يزعم أنه يمثل الإسلام لكنه يصدر أحكاما ظالمة إرضاء لسمو الأميرة ...0إن القاضى الإنجليزى فى رأيى أكثر إسلاما من الشيخ السعودى ., لأنه ينفذ العدل وهو الأساس الأول للإسلام .. ولقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الفقير أقاموا عليه الحد , والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ..)) .0إن مأساة الطبيبين المصريين , تدل على مدى الهوان الذى وصل إليه المصريون فى الخارج والداخل بسبب النظام الفاسد الظالم الذى يحكم مصر .. لكنها أيضا تقدم لنا نموذجا عمليا على بشاعة التدين البديل ونفاقه وأكاذيبه ...0إن الدين يتحول دائما إلى طاقة إنسانية إصلاحية عظيمة عندما يفهم على أساس دفاعه عن حقوق الإنسان وكرامته .. لكننا فى اللحظة التى نقصر فيها رؤيتنا للدين على المظاهر والطقوس , نصبح مؤهلين لإرتكاب أسوأ أنواع الرزائل .. لأننا بفهمنا القاصر للدين نعطل إحساسنا الفطرى بالضمير , وبالتالى نطلق لأنفسنا العنان فى إرضاء مصالحنا ونزواتنا ونحن مطمئنون إننا قد أدينا الصلوات فى أوقاتها .0إن الإسلام قد أبدع حضارته العظمى عندما دافع عن الحق والعدل والحرية والمساواة ...0أما فى أزمنة الإنحطاط فقد إنفصلت العقيدة عن السلوك عند المسلمين فتخلفوا حتى صاروا فى مؤخرة الأمم .0ولن ينهض العرب والمسلمون إلا عندما يستعيدون فهمهم الصحيح للإسلام , وما لم يحدث ذلك ... فسوف نظل مشغولين بالتشاجر حول الحجاب والنقاب وإعفاء اللحية وإرتداء الدبلة الذهبية , بينما نحن نظلم أنفسنا ونظلم الآخرين ..
إرسال تعليق