السبت، نوفمبر 08، 2008



وداعاً . . قديسة الزبالين ..

فى هدوء نسمة رقيقة رحلت عن عالمنا الترابى القديسة الاخت إيمانويل الراهبة الكاثوليكية البلجيكية ، التى قدمت حياتها للمسيح وشهدت له حتى النفس الأخير طيلة حياة مديدة أمتدت لقرن من الزمان.
فقد كانت من طراز قديسة الهند الام تريزا ، وإن لم تنل نفس شهرتها..
بدأت الأخت إيمانويل خدمتها حول العالم كمدرسة فى المدارس الكاثوليكية فى تركيا ثم بعدها نقلت إلى تونس ثم بعدها قدمت إلى مصر فى السبعينات ، وفيها جذبها شيئا اخر غير المدارس الكاثوليكية العريقة التى يتسابق على إرتيادها ابناء الطبقة الراقية سواء من المسلمين او المسيحيين ، فقد إنجذبت الأخت إلى منطقة الزبالين فى المقطم حيث يقطن عشرات الآلاف من جامعى القمامة الأقباط ، المهمشين الذين يحيون حياة شديدة البؤس ففى كل صباح ينتشرون فى مدينة القاهرة الضخمة لجمع قمامتها التى تبلغ اطنانا كل يوم ، ثم يعودون بها إلى بيوتهم المتواضعة التى تمرح بها جيوش من الفئران والحشرات ثم يضعون هذه القمامة داخلها ليغطى المنطقة كلها رائحة عفونة لا يتخيلها بشر ، ثم يشتركوا جميعا كبار وصغار رجال ونساء بفرزها الى مكونات يمكن بيعها للمصانع مثل الزجاجات البلاستيكية الفارغة التى تباع لمصانع البلاستيك والزجاجية التى تذهب لمصانع الزجاج ثم يتم إطعام الماعز والخنازير والدوجن المخلفات العضوية الباقية .
كل هذا يضاف إليه إنتشار الأمراض بين الزبالين واطفالهم وعدم وجود مياه نظيفة أو صرف صحى أو كهرباء أو مدارس أو أى خدمات حكومية ..

ووسط كل هذا البؤس سمعت الاخت إيمانويل صوت المسيح يناديها لتبدأ خدمة فى وسط هذا الفقر المادى والروحى ، وهناك بدأت خدمتها من لا شئ ، فإنتقلت للحياة وسط الزبالين ولبست ملابسهم وعاشت حياتهم وشاركتهم فى كل شئ حتى أنها ركبت مثلهم فوق أكوام القمامة على العربات الكارو الخشبية ، وكانت توزع على اطفال الزبالين كل ما يصل ليدها من تبرعات ، حتى طعامها الشخصى كانت تشاركهم فيه ولا تكف عن توزيع سندوتشات الحلاوة والجبن والمربى التى صنعتها من طعامها على الأطفال الجائعين من حولها وكانت تردد دوماً انها “زبالة” من حى الزبالين وانها واحدة منهم فلا يجب ان يكون فى مسكنها شئ زائد عما فى مساكنهم الخاوية ، حتى لو كان هذا الشئ هو (كيلو حلاوة طحينية) !
ولان يد الله مع الأمناء فقد اثمرت سنوات شقاء الأخت إيمانويل فى عزبة النخل عن إنشاء مدارس ومستوصفات وجمعيات وفصول لمحو الأمية فى هذه المناطق المحرومة من كل شئ.
وجدير بالذكر ان خدمتها كانت تقدم للجميع من مسلمين ومسيحيين بلا تفرقة ..
وفى عام 1993 وصلت إلى سن الخامسة والثمانين وكان جسدها قد وهن رغم قوة الروح، فدعتها اخوتها الراهبات للركون إلى الراحة التى اصبحت حتمية فى هذا السن وهذه الحالة الصحية ، فأطاعت الاخت القديسة ورحلت إلى فرنسا حيث قضت الباقى من عمرها فى بيت خاص بالمسنات ، تاركة ورائها فى مصر عشرات الألوف من القلوب التى احبتها والأشخاص الذين ساعدتم ولن ينسوها يوما.
وعلى الرغم من أمراضها وتقدم سنها وإقامتها فى دار للمسنات إلا انها لم تكف حتى اليوم الاخير من حياتها عن الإطلال على الإعلام والعمل بكل ما تمتلك من قوة لدعم قضايا الفقراء والمشردين والمهاجرين غير الشرعيين حول العالم ، وقد كرمتها فرنسا بنوط شرف عام 2002 على مسيرتها الحافلة فى العطاء ،ثم قلدت وسام آخر العام الجارى 2008 .
وقد ألفت عدة كتب عن تجربتها لتوفر الدعاية والدعم المادى لما تفعله ، وكان أشهر كتبها “زبالة من حى الزبالين”، “غنى الفقر”، “يسوع كما اعرفه” ، وفى عام 2008 قامت بنشر كتابها قبل الاخير “عمرى مائة عام وأقول لكم” اما كتابها الاخير فسينشر بعد وفاتها بحسب وصيتها وهو يعد الآن للنشر بالفعل.
كانت تقول عن الموت انه باب “يصر لكنه لا ينفتح” مشيرة إلى طول عمرها ، وكانت تؤكد انها لا تخشى الموت لكن أكثر ما تخافه هو لحظات الإحتضار … فأستجاب لها الله وأسترد وديعته وهى نائمة !!
رحلت الأخت إيمانويل وقد اوصت بان تكون جنازتها بسيطة وان تقرا فيها هذه الأيات من الأنجيل والتى عاشت لتنفذها كتلميذة مخلصة ليسوع المسيح الذى أحبته
“كنت جائعا فأطعمتموني، وكنت عطشان فسقيتموني، كنت غريبا فآويتموني، كنت عريانا فكسوتموني، كنت مريضا فزرتموني، وكنت محبوسا فأتيتم إليّ”
وداعا ايتها القديسة صديقة الزبالين ..
إرسال تعليق